الصالحي الشامي
148
سبل الهدى والرشاد
يقولون : ( حسنات الأبرار سيئات المقربين ) ، لان إبراهيم عليه السلام لم يتكلم في هذا الشأن بسبب أن مقامه أعلى من الكلام ، فلو تكلم لكان ذلك في حقه سيئة بالنسبة إلى مقامه الخاص ، وموسى عليه السلام كان كلامه مما يتقرب به إلى مقامه الخاص ، كل منهم له مقام خاص لا يتعداه ) . التنبيه الخامس والتسعون : قال ابن دحية : ( في هذه المراجعة التي وقعت بين موسى والنبي عليهما السلام فوائد منها : تكرار الشفاعة في القصة الواحدة إلى أن يتم مقصود الشافع ، ومنها أن الامر إذا انتهى إلى حد الالحاح كان الأولى الترك ، ومنها تعظيم الامر الذي لا يقدر عليه ، ومنها الرجوع إلى المشير الناصح ، ومنها أن الشافع لا يتوقف على طلب المشفوع له في ذلك ، ومنها أن الشافع يقيم عذر المشفوع له عند المشفوع عنده في ذلك ، ومنها أنه لا يمتنع من الشفاعة وإن كان داخلا فيها ) . التنبيه السادس والتسعون : إنما امتنع النبي صلى الله عليه وسلم من طلب التخفيف في المرة العاشرة لما أمره موسى بذلك لامرين : أحدهما : أن الامر إذا انتهى إلى حد الالحاح كان الأولى الترك . ثانيهما : أن يكون النبي صلى الله عليه وسلم تفرس أن هذا العدد لا يحط عنه فاستحى أن يسأل في مظنة الرد ، ووجه التفرس أن الله تعالى أدرج التخفيف خمسا خمسا من خمس إلى خمس . فالقياسي أنه إن خفف بحذف الخمسة الأخيرة ارتفعت الصلاة بجملتها ، وقد علم أنه لابد من وظيفة ، فلهذا ترك السؤال ، وكشف الغيب أن العلم القديم تعلق ببقاء هذه الخمس ، ولهذا بقيت ، فصدقت الفراسة ، وأصابت الفكرة ، ولهذا جاء في بعض الطرق أن النبي صلى الله عليه وسلم لما امتنع من المراجعة في العاشرة نادى مناد : ( أمضيت فريضتي وخففت عن عبادي ) . التنبيه السابع والتسعون : قال ابن دحية : ( دلت مراجعته صلى الله عليه وسلم في طلب التخفيف تلك المرات كلها ، لأنه علم أن الامر في كل مرة لم يكن على سبيل الالزام بخلاف المرة الأخيرة ، ففيها ما يشعر بذلك لقوله تعالى : ( ما يبدل القول لدي وما أنا بظلام للعبيد ) ( ق : 29 ) . التنبيه الثامن والتسعون : قال ابن أبي جمرة : ( في امتناع النبي صلى الله عليه وسلم في المرة العاشرة من طلب التخفيف دليل على أن الله سبحانه وتعالى إذا أراد إسعاد عبد جعل اختياره في مرضاة ربه ، لان النبي صلى الله عليه وسلم جعل اختياره وإيثاره لما أراد الحق تبارك وتعالى إنفاذه وإمضاءه ، وهو فرض الصلوات ا لخمس ، وذلك تكريم له صلى الله عليه وسلم ورتفيع ، لأنه لو رجع لطلب التخفيف فلم يخفف كما خفف أولا لكان اختياره مخالفا للمقدور . فلما أن اختار وأسعف في اختياره كان دليلا على ما استدللنا عليه وهو علو منزلته صلى الله عليه وسلم ، فإنه ما دام يطلب التخفيف أسعف في مناه ، ففي كل حال من طلب ومن عدم طلب كان اختياره موافقا للمقدور ) .